اسماعيل بن محمد القونوي
145
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
حمل الأقلام على ظاهرها إذ فيه نوع الاختلال للتعظيم مع أن القرعة بها غير متعارفة . قوله : ( والمراد تقرير كونه وحيا على سبيل التهكم بمنكريه فإن طريق معرفة الوقائع المشاهدة أو السماع وعدم السماع معلوم لا شبهة فيه عندهم ) جواب سؤال بأن نفي المشاهدة غني عن البيان لظهور استحالته وترك نفي السماع من أصحاب التواريخ وغيرها مما خفي وجهه إذ التوهم يساعده وأجاب بأنه أريد به التهكم والسخرية لليهود كأنه قيل لهم إنكم بإنكار الوحي تدعون أنه شاهد القصة لأنكم متفقون على أنه عليه السّلام لم يسمع شيئا من ذلك من من أحد ( فبقي أن يكون الاتهام باحتمال المشاهدة والعيان ) والمنكرون وإن لم يظنوا به لكن لزمهم من إنكارهم الوحي مع اعترافهم عدم السماع وهذا في غاية من الحماقة والسفاهة وأشار إليه بقوله ( ولا يظن به عاقل ) ومن هذا تولد معاملة التهكم وحاصل الجواب ليس المراد بهذا الكلام الخبري المنفي إفادة الحكم أو لازمه بل المراد به تهكم من أنهم أنه شاهد القصة ولذا أخبرها فالكلام إما لإنشاء التهكم أو مستعمل فيه مجازا لكونه لازما له . قوله : ( متعلق بمحذوف دل عليه يلقون أقلامهم ) لما لم يصلح تعلق يلقون باسم الاستفهام لفظا ومعنى أما معنى فظاهر إذ لا معنى له وأما لفظا بالإلقاء لا تعليق باسم الاستفهام ( أي يلقونها ليعلموا « 1 » أو ليقولوا أيهم يكفل مريم أيهم ) يستحق كفالة مريم أو قوله : والمراد تقرير كونه وحيا على التهكم بمنكريه وفي الكشاف فإن قلت لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم قلت كان معلوما عندهم علما يقينيا أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة إلى هنا كلام الكشاف يعني أنباء الرسول بتلك القصص يمكن أن يتوهم أنه بحسب السماع والقراءة ولم يكن أن يتوهم أنه بحسب المشاهدة فالحاجة إلى نفي السماع أمس من نفي المشاهدة فلم نفيت المشاهدة دون السماع فأجاب بأن طريق العلم بما أنبأ به منحصرة في ثلاثة إما السماع أو القراءة وإما المشاهدة وإما الوحي والأول منتف عندهم والثاني وإن كان أيضا منتفيا عندهم إلا أنه نفي تهكما بهم وخص التهكم بالثاني دون الأول لأنه لو نفي لم يكن على سبيل التهكم لمجال الوهم فيه فتعين الثالث فالمقصود من نفي المشاهدة الالزام بطريق التهكم وما ذكره المص محصول كلام الكشاف . قوله : فبقي الاتهام بالتاء الفوقانية من التهمة أي فبقي أن يتهموه بأنه شاهد تلك القصص أي لم يبق من طرق العلم بها إلا طريق المشاهدة ولا يظن به عاقل لأنه عليه الصلاة والسّلام ما كان موجودا في زمن تلك القصص والوقائع فعلم أن المراد بنفي تلك المشاهدة المستحيلة الزامهم على وجه التهكم والسخرية وتقرير كونه وحيا من اللّه .
--> ( 1 ) وفي الكشاف ثلاثة أوجه أحدها جمد هي حال مما قبلها أي لينظروا لأنه النظر يؤدي إلى الإدراك فيكون اسم الاستفهام معلقا به كالأفعال القبلية كما صرح به ابن الحاجب وابن مالك في التسهيل ولم يتعرض له المص لأنه الكفالة لا يظهر بالنظر بل كره بالعلم ولا يفوته سببا بعيدا أنه سلم ذلك والثاني ليعلموا والثالث يقولونه والمد تعوض لهما كما عرفت .